المقريزي

44

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

واشتدّت الرغبة من الكافة في أولادهم على اختلاف الآراء في الإناث والذكور ، فوقع التحاسد والتشاجر بين أهل الدولة إلى أن آل الأمر بسببهم وبأسباب أخر إلى خلع السلطان الملك العادل كتيفا من الملك ، في صفر سنة ست وتسعين وستمائة . فلما قام في السلطنة من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين ، قبض على طرغاي مقدّم الأويراتية ، وعلى جماعة من أكابرهم ، وبعث بهم إلى الإسكندرية فسجنهم بها وقتلهم ، وفرّق جميع الأويراتية على الأمراء ، فاستخدموهم وجعلوهم من جندهم ، فصار أهل الحسينية لذلك يوصفون بالحسن والجمال البارع ، وأدركنا من ذلك طرفا جيدا ، وكان للناس في نكاح نسائهم رغبة ، ولآخرين شغف بأولادهم ، وللّه در الشيخ تقيّ الدين السروجيّ إذ يقول من أبيات : يا ساعي الشوق الذي مذ جرى * جرت دموعي فهي أعوانه خذ لي جوابا عن كتابي الذي * إلى الحسينية عنوانه فهي كما قد قيل وادي الحمى * وأهلها في الحسن غزلانه أمشي قليلا وانعطف يسرة * يلقاك درب طال بنيانه واقصد بصدر الدرب ذاك الذي * بحسنه تحسّن جيرانه سلم وقل يخشى مسن أي مسن * اشت حديثا طال كتمانه وسل لي الوصل فإن قال بق * فقل أوت قد طال هجرانه وما برحوا يوصفون بالزعارة والشجاعة ، وكان يقال لهم البدورة ، فيقال البدر فلان ، والبدر فلان ، ويعانون لباس الفتوّة وحمل السلاح ، ويؤثر منهم حكايات كثيرة وأخبار جمة ، وكانت الحسينية قد أربت في عمارتها على سائر اخطاط مصر والقاهرة ، حتى لقد قال لي ثقة ممن أدركت من الشيخة : أنّه يعرف الحسينية عامرة بالأسواق والدور ، وسائر شوارعها كافة بازدحام الناس ، ومن الباعة والمارة وأرباب المعايش ، وأصحاب اللهو والملعوب ، فيما بين الريدانية ، محطة المحمل يوم خروج الحاج من القاهرة ، وإلى باب الفتوح ، لا يستطيع الإنسان أن يمرّ في هذا الشارع الطويل العريض طول هذه المسافة الكبيرة إلّا بمشقة من الزحام ، كما كنا نعرف شاعر بين القصرين فيما أدركنا . وما زال أمر الحسينية متماسكا إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ست وثمانمائة وما بعدها ، فخربت حاراتها ، ونقضت مبانيها ، وبيع ما فيها من الأخشاب وغيرها ، وباد أهلها ، ثم حدث بها بعد سنة عشرين وثمانمائة آية من آيات اللّه تعالى ، وذلك أنّ في أعوام بضع وستين وسبعمائة ، بدا بناحية برج الزيات فيما بين المطرية وسر ياقوس فساد الأرضة التي من شأنها العبث في الكتب والثياب ، فأكلت لشخص نحو ألف وخمسمائة قتة دريس ، فكنّا لا نزال نتعجب من ذلك ، ثم فشت هناك وشنع عبثها في سقوف الدور ، وسرت حتى عاثت في أخشاب سقوف